الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
392
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
كالاستثناء والشرط . وأما الاحتجاج للجواز بقوله : فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً ، فمورده في عفو المرأة عن بعض الصداق ، فإن ضمير مِنْهُ عائد إلى الصدقات ، لأن أول الآية وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ [ النساء : 4 ] الآية فهو إرشاد لما يعرض في حال العصمة مما يزيد الألفة ، فلا تعارض بين الآيتين ولو سلمنا التعارض لكان يجب على الناظر سلوك الجمع بين الآيتين أو الترجيح . واختلفوا في جواز أخذ الزائد على ما أصدقها المفارق ، فقال طاوس وعطاء والأوزاعي وإسحاق وأحمد : لا يجوز أخذ الزائد ، لأن اللّه تعالى خصه هنا بقوله : مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ واحتجوا بأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال لجميلة لما قالت له : أرد عليه حديقته وأزيده « أما الزائد فلا » أخرجه الدارقطني عن ابن جريج . وقال الجمهور : يجوز أخذ الزائد لعموم قوله تعالى : فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ واحتجوا بما رواه الدارقطني عن أبي سعيد الخدري أن أخته كانت تحت رجل من الأنصار تزوجها على حديقة ، فوقع بينهما كلام فترافعا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال لها « أتردين عليه حديقته ويطلقك » قالت : نعم وأزيده ، فقال لها « ردي عليه حديقته وزيديه » وبأن جميلة لما قالت له : وأزيده لم ينكر عليها . وقال مالك : ليس من مكارم الأخلاق ولم أر أحدا من أهل العلم يكره ذلك أي يحرمه ، ولم يصح عنده ما روي « أما الزائد فلا » والحق أن الآية ظاهرة في تعظيم أمر أخذ العوض على الطلاق ، وإنما رخصه اللّه تعالى إذا كانت الكراهية والنفرة من المرأة من مبدأ المعاشرة ، دفعا للأضرار عن الزوج في خسارة ما دفعه من الصداق الذي لم ينتفع منه بمنفعة ؛ لأن الغالب أن الكراهية تقع في مبدأ المعاشرة لا بعد التعاشر . فقوله : مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ ظاهر في أن ذلك هو محل الرخصة ، لكن الجمهور تأولوه بأنه هو الغالب فيما يجحف بالأزواج ، وأنه لا يبطله عموم قوله : فِيمَا افْتَدَتْ وقد أشار مالك بقوله : ليس من مكارم الأخلاق إلى أنه لا يراه موجبا للفساد والنهي ؛ لأنه ليس مما يختل به ضروري أو حاجي ، بل هو آيل إلى التحسينات ، وقد مضى عمل المسلمين على جوازه . واختلفوا في هذه الآية هل هي محكمة أم منسوخة ؟ فالجمهور على أنها محكمة ، وقال فريق : منسوخة بقوله تعالى في سورة النساء [ 20 ] وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً ونسبه القرطبي لبكر بن عبد اللّه المزني ، وهو قول شاذ ، ومورد آية النساء في الرجل يريد فراق امرأته ، فيحرم عليه أن يفارقها ، ثم